صديق الحسيني القنوجي البخاري

11

فتح البيان في مقاصد القرآن

مستقبلا فهو بمعنى الماضي ولهذا عطف عليه استجاب أَنِّي أي بأني مُمِدُّكُمْ بوعدي إياكم بالإمداد وذلك لأنه وقت الإجابة لم يحصل الإمداد بالفعل لأن الدعاء واستجابته كانا قبل وقوع القتال . بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ قرىء بكسر الدال وفتحها وهما واضحتان لأنه يروى في التفسير أنه كان وراء كل ملك ملك رديفا له ، فقراءة الفتح تشعر بأن غيرهم أردفهم لركوبهم خلفهم وقراءة الكسر تشعر بأن الراكب خلف صاحبه قد أردفه فصح التعبير باسم الفاعل تارة واسم المفعول أخرى . وجعل أبو البقاء مفعول مردفين بالكسر محذوفا أي مردفين أمثالهم ، ويجوز أن يكون معنى الإرداف المجيء بعد الأوائل أي جعلوا ردفا للأوائل ، قاله السمين . وقد قيل إن ردف وأردف بمعنى واحد ، وأنكره أبو عبيدة قال لقوله تعالى : تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ [ النازعات : 7 ] ولم يقل المردفة ، قال ابن عباس : مردفين متتابعين ، وعنه قال : المدد ، وعنه قال : وراء كل ملك ملك ، وعن الشعبي قال : كان ألف مردفين وثلاثة آلاف منزلين وكانوا أربعة آلاف وهم مدد المسلمين في ثغورهم . وقال مجاهد : مردفين مجدين ، وقال قتادة : متتابعين أمدهم اللّه بألف ثم بثلاثة ثم أكملهم خمسة آلاف ، وعن علي قال : نزل جبريل في خمسمائة من الملائكة عن ميمنة النبي صلى اللّه عليه وسلم وفيها أبو بكر ، ونزل ميكائيل في خمسمائة من الملائكة عن ميسرة النبي صلى اللّه عليه وسلم وأنا في الميسرة . وعن مجاهد قال : ما أمد النبي صلى اللّه عليه وسلم بأكثر من هذه الألف التي ذكر اللّه في الأنفال ، وما ذكر الثلاثة آلاف والخمسة آلاف إلا بشرى ، قال في الجمل : لم يثبت أن الملائكة قاتلت في وقعة إلا في بدر ، وأما في غيرها فكانت تنزل لتكثير عدد المسلمين ولا تقاتل كما وقع في حنين . وَما جَعَلَهُ اللَّهُ أي الإمداد المدلول عليه بقوله أني ممدكم إِلَّا بُشْرى أي بشارة لكم بنصره وهو استثناء مفرغ أي ما جعل إمدادكم بشيء من الأشياء إلا للبشرى لكم بالنصر وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ أي بالامداد قُلُوبُكُمْ وفي هذا إشعار بأن الملائكة لم يقاتلوا بل أمد اللّه المسلمين بهم للبشرى لهم ولتثبت قلوبهم يعني بنزول الملائكة ، قال قتادة : وذكر لنا أن عمر قال أما يوم بدر فلا نشك أن الملائكة كانوا معنا ، وأما بعد ذلك فاللّه أعلم . وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لا من عند غيره ليس للملائكة في ذلك أثر فهو الناصر على الحقيقة وليسوا إلا سببا من أسباب النصر التي سببها اللّه لكم وأمدكم بها ، وفيه تنبيه على أن الواجب على المسلم أن لا يتوكل إلا على اللّه في جميع أحواله ولا